الشنقيطي
311
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) [ الأنفال : 62 ] ففرق بين الحسب والتأييد ، فجعل الحسب له وحده ، وجعل التأييد له بنصره وبعباده . وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب ، فقال تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) [ آل عمران : 173 ] وقال تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ [ التوبة : 129 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات ، فإن قيل : هذا الوجه الذي دل عليه القرآن ، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ، ضعفه غير واحد من علماء العربية ، قال ابن مالك في [ الخلاصة ] : وعود خافض لدى عطف على * ضمير خفض لازما قد جعلا فالجواب من أربعة أوجه : الأول : أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض ، قال ابن مالك في [ الخلاصة ] : وليس عندي لازما إذ قد أتى * في النظم والنثر الصحيح مثبتا وقد قدمنا في « سورة النساء » في الكلام على قوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ [ النساء : 127 ] شواهده العربية ، ودلالة قراءة حمزة عليه ، في قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] . الوجه الثاني : أنه من العطف على المحل ، لأن الكاف مخفوض في محل نصب ، إذ معنى حَسْبُكَ يكفيك ، قال في [ الخلاصة ] : وجر ما يتبع ما جر ومن * راعى في الاتباع المحل فحسن الوجه الثالث : نصبه بكونه مفعولا معه ، على تقدير ضعف وجه العطف ، كما قال في [ الخلاصة ] : والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق * والنصب مختار لدى ضعف النسق الوجه الرابع : أن يكون وَمَنِ مبتدأ خبره محذوف ، أي وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) فحسبهم اللّه أيضا ، فيكون من عطف الجملة ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 ) [ 75 ] . لم يعين تعالى في هذه الآية الكريمة المراد بأولي الأرحام ؛ واختلف العلماء في هذه الآية ، هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا ؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها